الفيض الكاشاني
311
أنوار الحكمة
فتقوم تلك الصور أحياء ناطقة بما ينطقها اللّه ؛ فمن ناطق ب « الحمد للّه » ، ومن ناطق يقول : مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا [ 36 / 52 ] ، ومن ناطق يقول : « الحمد للّه الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور . وكلّ ينطق بحسب علمه وحاله وما كان عليه ، ونسي حاله في البرزخ ، ويتخيّل أنّ ذلك منام كما يتخيّله المستيقظ ، وقد كان عند موته وانتقاله إلى البرزخ كالمستيقظ هناك ؛ وأنّ الحياة الدنيا كانت له كالمنام ، وفي الآخرة يعتقد أمر الدنيا والبرزخ أنه منام في منام » . « وقال في موضع آخر « 1 » بعد ذكر الناقور والصور : « وليعلم بعد ما قرّرناه ، أنّ اللّه تعالى بعد ما قبض الأرواح من هذه الأجسام الطبيعيّة والعنصريّة ، أودعها صورا أخذها في مجموع هذا القرن النوريّ ، بجميع ما يدركه الإنسان بعد الموت في البرزخ ، من الأمور التي يدركها بعين الصورة التي هو بها في القرن « 2 » . والنفخة نفختان : نفخة تطفي النار ، ونفخة تشعلها ؛ فكذلك نفخة الصور نفختان : الأولى للإماتة لمن يزعم أنّ له حياة - سواء كان من أهل السماوات أو من أهل الأرض . قال اللّه تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ 68 / 39 ] وهم الذين سبقت لهم القيامة الكبرى ، وإليهم الإشارة بقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ - إلى قوله : - لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [ 21 / 101 - 104 ] إذ الفزع الأكبر إشارة إلى ما في قوله : فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [ 27 / 93 ] . قال استاذنا - أدام اللّه تأييده - « 3 » : وذلك لأنّ أولئك ليسوا من أهل السماوات والأرض ، لكون ذواتهم خارجة عن عالم الأجسام وصورها
--> ( 1 ) الفتوحات المكية : 1 / 307 ، الباب الثالث والستون ، مع اختلافات لفظية . ( 2 ) المصدر : فجميع ما يدركه الإنسان بعد الموت في البرزخ من الأمور إنما يدركه بعين الصورة التي هو بها في القرن وبنورها . ( 3 ) الأسفار الأربعة : 9 / 277 .